في زمنٍ صار فيه الضوء يلهث خلف الصورة، تَصدّر المشاهير المشهد العام، لا لأنهم الأكثر علمًا أو فكرًا، بل لأنهم الأكثر ظهورًا. تحوّل الوعي الجماهيري إلى سوقٍ ضخم تُباع فيه الأفكار بعدد المشاهدات، لا بقوة المعاني.
وبينما كان العلماء والمثقفون يصيغون وعي الأمة بالكلمة والفكر، أصبح كثير من الناس اليوم يصيغون وعيهم من مقطع قصير أو منشورٍ عابر.
لقد تغيّر ميزان التأثير؛ فلم يعد العلم هو المرجعية، بل الشهرة. وهنا يبدأ السؤال العميق:
هل أصبح الوعي يُقاس بعدد المتابعين، لا بعدد الأفكار التي تنهض بالمجتمع؟
من التأثير الثقافي إلى التأثير الجماهيري :
لقد انتقل المجتمع من عصر الفكرة إلى عصر الصورة، ومن التأمل إلى التفاعل. لم يعد الناس يبحثون عن العمق، بل عن السهولة والسرعة. في السابق، كانت الكتب تُبني العقول، واليوم المقاطع القصيرة تُوجّه الاتجاهات.
قوة المنصات الحديثة :
منصات التواصل الاجتماعي غيّرت قواعد اللعبة. من يمتلك المتابعين يملك القدرة على تشكيل الرأي العام. ومع ذلك، ليست كل هذه القوة تُستخدم في الخير، فبعضها يُنتج ضجيجًا بلا معنى، واهتمامًا بما لا يُفيد.
غياب المرجعيات الفكرية :
تراجع العلماء والمثقفون عن الساحة الإعلامية جعل المشاهير يملأون الفراغ. غابت اللغة الهادئة، وحضرت الإثارة. غاب التوجيه الواعي، وبرز الترفيه اللحظي. وهكذا خسر المجتمع توازنه بين الوعي والمعروض.
التأثير الإيجابي للمشاهير في المجتمع :
حتى وسط هذا الزخم، لا يمكن إنكار وجود مشاهير استخدموا شهرتهم في الخير. فالبعض قدّم محتوى ملهمًا يزرع الأمل أو يرفع الوعي بقضايا إنسانية واجتماعية.
نشر الوعي الإنساني والخيري :
هناك من استخدم جماهيريته لتسليط الضوء على الفقراء والمرضى، ودعم المبادرات المجتمعية. هؤلاء قدّموا نموذجًا مختلفًا: شهرة تحمل رسالة.
تقريب المعرفة من الناس :
حين يُقدَّم المحتوى النافع بلغةٍ عصرية وبأسلوبٍ بسيط، يصل إلى جمهورٍ أوسع. وهذا ما فعله بعض المؤثرين الذين جمعوا بين جاذبية الطرح وصدق الفكرة.
الجانب المظلم للشهرة وتأثيرها على الأسرة والمجتمع :
لكن في المقابل، هناك وجه آخر أكثر خطورة. إذ أصبح كثير من المشاهير يصنعون قيمًا سطحية تُغري الشباب بالمظاهر، وتُهمّش الجهد والعلم.
صناعة القيم السطحية :
حين يُقاس النجاح بعدد المتابعين أو السيارات الفاخرة، يفقد الشباب بوصلتهم الحقيقية. تنشأ أجيال ترى أن القيمة تُشترى، لا تُبنى.
تراجع القدوة الحقيقية :
حين يُصبح “المشهور” هو المرجع في كل شيء، حتى في التربية والسلوك، يتراجع حضور العلماء والمربين. وتُصبح الأسرة في مواجهة تيارٍ إعلاميٍّ قويٍّ يُعيد تشكيل وعي أبنائها من الخارج.
نقاط اجتماعية وإحصائية
أبرز النقاط المستخلصة من الدراسات والأبحاث التي تعزز فكرة تراجع الاهتمام بالعلماء والمثقفين أمام المشاهير:
1. تأثيرهم على التوجهات المهنية والقيم
عزوف عن العلم: تشير بعض الأبحاث إلى أن التأثير السلبي لمشاهير المحتوى يؤدي إلى عزوف المراهقين والأطفال عن "طريق العلم الطويل" الذي يتطلب الجهد والأبحاث، مقابل الانجذاب إلى طرق الشهرة السريعة والسهلة.
خلخلة التنشئة: يتأثر المراهقون بشكل كبير، مما يؤدي إلى خلخلة التنشئة السوية التي نشأوا عليها في الأسرة، حيث يتقمصون شخصيات قد تكون أكبر من مستوى فكرهم أو تتسم بسلوكيات سلبية.
2. الثقة في المشاهير مقابل الخبراء
المصداقية العاطفية: تشير الأبحاث الغربية إلى أن الجمهور يميل إلى "الثقة بالمؤثرين أكثر من المشاهير التقليديين" ويشعرون تجاههم بمزيد من "التشابه" والقرب، مما يجعلهم أكثر إقناعاً (حتى في قضايا لا يملكون فيها خبرة).
التأثير على الشراء: على الرغم من أن المؤثرين لا يكسبون بالضرورة مثل المشاهير التقليديين، إلا أن تأثيرهم على القرارات الشرائيةقوي جداً بين جماهيرهم المستهدفة.
3. الشعور السلبي تجاه وسائل التواصل الاجتماعي
الهروب والوهم: دراسة بريطانية وجدت أن نسبة كبيرة من التلاميذ (71%) يستخدمون الألعاب الرقمية "للهروب من وسائل الإعلام الاجتماعية" نفسها، وأن أكثر من 60% يعتقدون أن الأصدقاء يظهرون "نسخة وهمية" لأنفسهم.
نقص الثقة: أفاد 52% من الذين شملهم الاستطلاع أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلتهم يشعرون "بقدر أقل من الثقة" حول مظهرهم وحياتهم.
مسؤولية الجمهور ووعي المتلقي :
لا يمكن إلقاء اللوم كله على المشاهير. فالجمهور هو الذي يمنحهم القوة أو يسحبها منهم. وعي المتلقي هو خط الدفاع الأول عن قيم المجتمع.
الوعي الانتقائي :
حين يختار الإنسان ما يُتابع بوعي، فإنه يُسهم في رفع الذوق العام. لا يُجبرنا أحد على المتابعة، ولكننا نختار من نُصفق له ومن نصنع له التأثير.
نحو محتوى نافع ومؤثر بصدق :
الزمن القادم يحتاج إلى صناع محتوى يوازنون بين الفكر والإبهار، بين المعلومة والمتعة، بين الشكل والمضمون.
الشراكة بين العلم والإعلام :
حين يتعاون العلماء والمثقفون مع الإعلاميين والمبدعين، يولد محتوى يجمع بين العمق والجاذبية. بذلك يعود التأثير إلى أصله: التأثير بالوعي لا بالضجيج.
الخاتمة
الأسئلة الشائعة
س1: لماذا تصدّر المشاهير المشهد بدل العلماء؟
ج: لأن المنصات الحديثة جعلت الوصول للجمهور أسهل، بينما تراجع حضور العلماء والمفكرين في الإعلام الحديث.
س2: هل يمكن للمشاهير أن يقدموا محتوى نافعًا؟
ج: نعم، عندما يستخدمون شهرتهم لنشر الوعي، وتحفيز الناس على العمل والعلم، لا على المظاهر.
س3: كيف نحمي أبناءنا من التأثر بالمحتوى السطحي؟
ج: بالوعي الأسري، والحوار، ومتابعة ما يشاهده الأبناء، وتعليمهم التمييز بين القيمة والضوضاء.
س4: ما دور المجتمع في إعادة مكانة المثقفين؟
ج: بدعم المحتوى الجاد، وتشجيع المبادرات الفكرية والتعليمية، ومطالبة الإعلام بإبراز الأصوات الواعية.
📚اقرأ أيضًا :